الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

77

مختصر الامثل

لإقتلاع جذور الشرك وعبادة الأصنام من الأذهان يعود القرآن إلى ذكر العادات والتقاليد والعبادات الخرافية السائدة بين المشركين ، ويثبت في بيان واضح أنّها خرافية ولا أساس لها ، فقد كان كفّار مكّة وسائر المشركين يخصصون للَّه‌سهماً من مزارعهم وأنعامهم ، كما كانوا يخصصون سهماً منها لأصنامهم أيضاً ، قائلين : هذا القسم يخصّ اللَّه ، وهذا القسم يخصّ شركاءنا أي الأصنام : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذَا لِشُرَكَائِنَا » . ثم تشير الآية إلى واحد من أحكامهم العجيبة وهو الحكم بأنّ ما خصصوه لشركائهم لا يصل إلى اللَّه ، ولكن ما خصصوه للَّه‌يصل إلى شركائهم « فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ » . انّهم إذا أصاب نصيب اللَّه ضرر على أثر حادثة قالوا : هذا لا أهميّة له لأنّ اللَّه لا حاجة به إليه ، ولكن إذا أصاب الضرر نصيب أصنامهم عوّضوا عنه من نصيب اللَّه ، قائلين : إنّ الأصنام أشدّ حاجة إليه . وفي الختام تدين الآية هذه الخرافات فتقول : « سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ » . فأيّ حكم أقبح وأدعى إلى العار من أن يعتبر إنسان قطعة من الحجر أو الخشب الذي لا قيمة له أرفع من خالق عالم الوجود ، هل هناك هبوط فكريّ أحط من هذا ؟ وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ( 137 ) يشير القرآن في هذه الآية إلى عمل قبيح آخر من أعمال عبدة الأصنام القبيحة وجرائمهم الشائنة ، ويذكر أنّه كما ظهر لهم أنّ تقسيمهم الحصص بين اللَّه والأصنام عمل حسن بحيث أنّهم اعتبروا هذا العمل القبيح والخرافي ، بل والمضحك ، عملًا محموداً ، كذلك زيّن الشركاء قتل الأبناء في أعين الكثيرين من المشركين بحيث إنّهم راحوا يعدّون قتل الأولاد نوعاً من « الفخر » و « العبادة » : « وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ » .